ابن أبي الحديد

45

شرح نهج البلاغة

بفيها ، وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها ، وتمنع درها ، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم ، أو غير ضائر بهم . ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه ، والصاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية ، وقطعا جاهلية ، ليس فيها منار هدى ، ولا علم يرى ، نحن أهل البيت منها بمنجاة ، ولسنا فيها بدعاة ، ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم ، بمن يسومهم خسفا ، ويسوقهم عنفا ، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف ، ولا يحلسهم إلا الخوف ، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يرونني مقاما واحدا ، ولو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطوننيه . * * * الشرح : فقأت عينه ، أي بخقتها ، وتفقأت السحابة عن مائها : تشققت ، وتفقأ الدمل والقرح ، ومعنى فقئه عليه السلام عين الفتنة ، إقدامه عليها حتى أطفأ نارها ، كأنه جعل للفتنة عينا محدقة يهابها الناس ، فأقدم هو عليها ، ففقأ عينها ، فسكنت بعد حركتها وهيجانها . وهذا من باب الاستعارة ، وإنما قال : " ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري " ، لان الناس كلهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة ، ولا يعلمون كيف يقاتلونهم ، هل يتبعون موليهم أم لا ؟ وهل يجهزون على جريحهم أم لا ! وهل يقسمون فيئهم أم لا ! وكانوا يستعظمون قتال من يؤذن كأذاننا ، ويصلى كصلاتنا ، واستعظموا أيضا حرب عائشة وحرب طلحة والزبير ، لمكانهم في الاسلام ، وتوقف جماعتهم عن الدخول في تلك الحرب ، كالأحنف ابن قيس وغيره ، فلو لا أن عليا اجترأ على سل السيف فيها ما أقدم أحد عليها ، حتى